عبد الملك الجويني
41
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
والطريقة الثالثة ، وهي عمدة شيخنا رضي اللّه عنه ، أن نقول : العلم المتعلق بالمعلوم علم . فإذا زعمتم أن الباري تعالى علم بالمعلوم ، والمعلوم في حقه محاط به ، فلا يتقرر معلوم محاط به لا يتعلق به متعلق . ثم المتعلق بالمحاط به يستحيل أن يكون خارجا من قبيل العلوم ، ولا معنى لتعلق العلم بالمعلوم إلا كون المعلوم محاطا به . وهذا آكد على أصول المعتزلة ؛ فإنهم قالوا : تعلق العلمين بالمعلوم الواحد يوجب تماثلهما ، وبنوا على ذلك مماثلة العلم القديم - لو ثبت - للعلم الحادث . وذلك قاطع إذا تأملته ، وباللّه التوفيق . ومعوّل نفاة الصفات على طرق : منها ، ادّعاؤهم منع تعليل الواجب كما قدمناه ، وقد سبق الاعتراض عليه بما فيه مقنع . ومما يتمسكون به أيضا ، أن قالوا : لو أثبتنا صفات قديمة لكانت مشاركة للباري تعالى في القدم ، وهو أخص صفات الذات ، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك فيما عداه من الصفات ، ومساق ذلك يقضي بكون الصفات آلهة . وهذا الذي ذكروه تعرض للدعاوى من غير برهان . فأما قولهم الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك فيما عداه ، فهم فيه منازعون ؛ ثم لو سلم ذلك لهم جدلا ، نوزعوا في كون القدم أخص أوصاف الباري تعالى ، ولا يجدون إلى إثبات سبيلا . ثم يقال لهم : الإرادة التي أثبتموها للباري تعالى حادثة قائمة ، لا بمحل ، مثل على زعمكم للإرادة الثابتة للعبد القائمة به إذا تعلقتا بمتعلق واحد ، وهما مشتركتان في الأخص ، ويثبت لأحدهما وجوب القيام بالمحل ، ويستحيل ذلك على الثانية ، وهذا ينقض ما حاولوه من وجوب اشتراك المشتركين في الأخص في جميع الصفات . على أنا نقول لهم : منعكم تعليل الواجب يناقض مصيركم إلى أن الاجتماع في الأخص يوجب الاجتماع فيما عداه ؛ فإن تماثل المثلين واجب ، وتعرضكم لتعليله تصريح بتعليل الواجب . ومما يتمسكون به أن قالوا : علم الباري تعالى على زعمكم يتعلق بما لا يتناهى من المعلومات على التفصيل ، وهو في حكم العلوم المختلفة الحادثة ، إذ لا يتعلق العلم الحادث بالسواد والبياض ؛ فإذا تعلق علم الباري بالمعلومات المختلفة كان في حكم العلوم الحادثة ، وإذا لم يبعد ذلك لم يبعد أيضا كونه في حكم القدرة ، وإن كانت القدرة والعلم مختلفين شاهدا ، ويلزم من مفاد ذلك الاجتزاء بصفة واحدة ، تكون في حكم العلوم والحياة والقدرة . وهذا الذي ذكروه مما لا يلزم الجواب عنه نظرا ، فإنه كلام منهم في تفصيل الصفات مع مصيرهم إلى نفي أصلها ، ثم إذا أوضحنا فيه معتقدنا وإن لم يكن يلزمنا في طرق الحجاج ، قلنا :